يمثل المذيع أحد أهم عناصر العمل الإعلامي أو البرامجي، حيث يؤثر في مدى نجاح أو فشل الأعمال الإعلامية والبرامج التلفزيونية، بما له من جماهيرية أو تأثير يساعد في زيادة عملية جذب الانتباه، وإثارة الاهتمام لدى المشاهدين لبرنامج تلفزيوني محدد، أو تجاهل برنامج آخر.
إذ إن من بين مميزات المذيع الناجح القبول الشخصي، والهيئة المناسبة والمؤثرة، وحسن الإلقاء، ووضوح الصوت، والقدرة الإقناعية، واتقان اللغة العربية، أو اللغة التي سيتحدث بها، والوعي والإحساس العام بقضايا المجتمع، واتساع المستويين المعرفي والثقافي، والقدرة على طرح التساؤلات التي تساعد في إدارة الحوار والنقاش مع الضيوف والمتخصصين وكبار المسؤولين، كما يجب أن يتسم المذيع بسرعة البديهة ودقة الملاحظة، حتى يمكن تفادي أخطائه الشخصية أو أخطاء وتحيز الضيوف، وتجنب المواقف المحرجة أو الصعبة في إدارة البرنامج، وكذلك الفهم العميق أو المتخصص في المجال المعرفي الذي يقدم فيه برامجه، فضلاً عن أهمية الخبرة والتدريب الدائم والاستفادة من تجارب المذيعين الآخرين، والاتزان النفسي حتى يعبر بموضوعية ودقة عن أفكاره، والحرص والالتزام بالحيادية والمهنية وعدم التحيز في الممارسة المهنية الإعلامية.
وقد لاحظ العديد من الخبراء والمتخصصين أن العديد من المذيعين والقائمين بالاتصال، في إطار الدعوة إلى حرية الإعلام وحرية الرأي والتعبير، صار يتسم بعدم التحيز، والافتقار إلى المهنية، وتجاوز كل أخلاقيات والقواعد الخاصة بميثاق الشرف الإعلامي.
والسؤال الذي يطرح نفسه، هل حرية الإعلام هي حرية المذيع فقط؟ الذي يفرض آراءه وأفكاره ورؤيته الخاصة على بقية الجماهير، التي قد تنتمي للعديد من الآراء والاتجاهات والأفكار المتباينة، وتختلف عن آراء واتجاهات المذيع المتحيز.
وهل من المهنية أن يفرض علينا هذا المذيع أفكاره وآراءه الخاصة؟ أم يساهم في إتاحة الفرص للتعبير عن العديد من الأفكار والآراء والاتجاهات الخاصة بجماهير المشاهدين المستهدفين؟
وبمتابعة ورصد العديد من البرامج التلفزيونية أمكن تحديد أهم النماذج والأمثلة للمذيع المتحيز على النحو التالي:
- المذيع الذي يتقمص دور الناشط السياسي، ويستهل برنامج التوك شو الذي يقدمه بالانفراد بمقدمة طويلة يعرض من خلالها أفكاره السياسية حول موضوعات الشأن العام لمدة قد تزيد على نصف ساعة، ما قد يؤثر في أفكار واتجاهات جماهير المشاهدين، فضلاً عن تأثيره على اتجاهات وأفكار الضيوف الذين ستتم استضافتهم في البرنامج ذاته بعد هذه المقدمة.
- المذيع الذي يتعمد مشاركة فريق الإعداد في اختيار ضيوف محددين، يتكرر ظهورهم في البرنامج ذاته ويطرح عليهم في المقابلات التلفزيونية العديد من الأسئلة الإيحائية، التي يتم من خلالها استنطاق بعض الضيوف والتأثير على إجاباتهم وتوظيفها بما يتفق واتجاه المذيع والقائمين على إعداد البرنامج، وهو الأمر الذي يمثل تدخلاً معيباً لا يليق بآراء الضيوف وأفكارهم، ويمتد الأمر إلى أن يبدي الموافقة بالإيماءات غير اللفظية التي تعبر عن التأييد إذا كانت إجاباته تتفق مع هوى واتجاه المذيع، وأحياناً يقاطعه بشدة ويعارضه إذا اختلف رأي الضيف مع آراء واتجاهات المذيع.
- المذيع الذي يملك إحدى القنوات الفضائية ويقدم برنامجا سياسيا يوميا يتحدث فيه وحده، ويتعمد عدم استضافة أي متخصص حول أي قضية أو موضوع، ويستمر لمدة تصل يومياً إلى خمس ساعات، ويستخدم العديد من الألفاظ المعيبة في وصف العديد من السياسيين والإعلاميين، بل ويسند إليهم وقائع وأحداث لا دليل عليها، ما يمثل سباً أو قذفاً ضد هذه الشخصيات.
- يتسم أداء بعض المذيعين بالتحيز الواضح ضد بعض المرشحين السياسيين أو الأحزاب السياسية أثناء الانتخابات، وهو الأمر الذي يتعارض مع القواعد الخاصة بالتغطية المحايدة للانتخابات، وتبرز ملامح هذا التحيز بالكلمات والجمل والأوصاف والشعارات المساندة لمرشح معين، أو باستخدام الإيماءات والتعليقات أو الابتسامات الساخرة التي تعطي انطباعاً بعدم تأييد مرشحين آخرين، ما قد يؤثر في مواقف واتجاهات التصويت الخاصة بالمشاهدين نحو بعض المرشحين السياسيين.
وختاماً.. عزيزي القارئ..
شاهد بعقلك.. وناقش مع زملائك وأصدقائك بدرجة من الهدوء والموضوعية والمنطقية مضمون ما يقدم من برامج في وسائل الإعلام.. وانتبه وأنت تشاهد المذيع المتحيز. ولا تصدق كل من يدعي الحياد الإعلامي، فالحياد الإعلامي صار في ظل تعاظم ظاهرة «المذيع المتحيز» خرافة غير قابلة للتصديق.
" الكويتية"